مجمع البحوث الاسلامية
257
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قال : فكان رجال إذا أرادوا الصّوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض ، فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبيّن له ، فأنزل اللّه بعد ذلك مِنَ الْفَجْرِ ، فعلموا أنّما يعني بذلك : اللّيل والنّهار . وقال متأوّلو قول اللّه تعالى ذكره : حَتَّى يَتَبَيَّنَ الآية ، إنّه بياض النّهار وسواد اللّيل ، صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السّماء ، يملأ بياضه وضوؤه الطّرق . فأمّا الضّوء السّاطع في السّماء ، فإنّ ذلك غير الّذي عناه اللّه بقوله : الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ . عن أبي مجلز : الضّوء السّاطع في السّماء ليس بالصّبح ، ولكن ذاك الصّبح الكاذب ، إنّما الصّبح إذا انفضح الأفق . وقال آخرون : الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ : هو ضوء الشّمس ، و الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ : هو سواد اللّيل . [ إلى أن قال : ] وأولى التّأويلين بالآية : التّأويل الّذي روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ : بياض النّهار ، و الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ : سواد اللّيل ، وهو المعروف في كلام العرب . [ ثمّ استشهد بشعر ] وأمّا الأخبار الّتي رويت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه شرب أو تسحّر ، ثمّ خرج إلى الصّلاة ، فإنّه غير دافع صحّة ما قلنا في ذلك ، لأنّه غير مستنكر أن يكون صلّى اللّه عليه وسلّم شرب قبل الفجر ، ثمّ خرج إلى الصّلاة ؛ إذ كانت الصّلاة صلاة الفجر ، هي على عهده كانت تصلّى بعد ما يطلع الفجر ، ويتبيّن طلوعه ، ويؤذّن لها قبل طلوعه . وأمّا الخبر الّذي روي عن حذيفة : « أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتسحّر وأنا أرى مواقع النّبل » . فإنّه قد استثبت فيه ، فقيل له : أبعد الصّبح ؟ فلم يجب في ذلك بأنّه كان بعد الصّبح ، ولكنّه قال : هو الصّبح ؛ وذلك من قوله يحتمل أن يكون معناه : هو الصّبح لقربه منه ، وإن لم يكن هو بعينه ، كما تقول العرب : هذا فلان شبها ، وهي تشير إلى غير الّذي سمّته ، فتقول : هو هو ، تشبيها منها له به ، فكذلك قول حذيفة : هو الصّبح ، معناه : هو الصّبح شبها به وقربا منه . ( 2 : 171 - 176 ) نحوه القرطبيّ . ( 2 : 318 ) الزّجّاج : هما فجران : أحدهما : يبدو أسود معترضا وهو الخيط الأسود ، والأبيض : يطلع ساطعا يملأ الأفق ، وحقيقته حتّى يتبيّن لكم اللّيل من النّهار . وجعل اللّه عزّ وجلّ حدود الصّيام طلوع الفجر الواضح ، إلّا أنّ اللّه عزّ وجلّ بيّن في فرضه ما يستوي في علمه أكثر النّاس . ( 1 : 257 ) الماورديّ : اختلف في المراد ب الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ و الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ على ثلاثة أقاويل : أحدها : ما رواه سهل بن سعد [ وقد سبق ] والقول الثّاني : أنّه يريد ب الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ : ضوء النّهار : وهو الفجر الثّاني ، وب الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ : سواد اللّيل ، قبل الفجر الثّاني . وروى الشّعبيّ عن عديّ بن حاتم [ الحديث وقد سبق ] وسمّي خيطا ، لأنّ أوّل ما يبد من البياض ممتدّ كالخيط [ ثمّ استشهد بشعر ]